الأكثر رواجاً

بروتوكولات حكماء صهيون

لم يعرف العالم كتاباً أثار ضجة أكبر من الضجة التي…

ابحث عن

مؤسس الدار : أحمد راتب عرموش
تأسست سنـــة 1390هـ - 1970م
 

مساحة إعلانية

أضيف في اخترنا لك (صفحات من منشوراتنا) صفحات من هذا الكتاب بعنوان: مفهوم أبي بكر للحكم.
 
تشارك الدار بفعاليات الصالون الدولي للكتاب بالجزائر من يوم الاربعاء 25 اكتوبر 2017 ولغاية 4 نوفمبر 2017.
 
 

العالم العربي والتحديات المعاصرة

الانتماء الإسلامي:

وهو على علّاته الحالية متأصل بشكل أو بآخر في أعماق الذات العربية، لقد بقيت متمسكة به رغم فشلها في تحويله إلى قوة حضارية دافعة خلال القرون الطويلة الماضية، ربما حنيناً إلى هويتها الحضارية التي اقترنت به في المهد. بقي العرب في المشرق قبل الإسلام على حالة البداوة مع بعض الاستثناءات في أطراف شبه الجزيرة العربية مثل اليمن وبادية الشام ومنطقة الخليج وفلسطين، كان يُنظر إليهم باستعلاء من قبل الفرس والرومان والبيزنطيين الذين ورثوا الحضارات الشرقية القديمة في الهلال الخصيب وجنوب البحر الأبيض المتوسط، فجأة وجد العرب أنفسهم بفضل رسالة الإسلام موحَّدين أقوياء يحملون الدين الجديد إلى الفرس، ويستنقذون الشام ومصر وغيرها من قبضة البيزنطيين.

أما الشاميون والمصريون فلم يكونوا متحمسين للبيزنطيين الذين بقوا في نظرهم محتلين غرباء، كانوا يشعرون منذ أفل نور حضاراتهم القديمة بأنهم أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية على أرضهم، لذا فقد تحوَّل معظمهم سريعاً إلى الدين الجديد، وتآخوا مع العرب الذين حملوا إليهم من خلال الدين رسالة الحرية بدلاً من الترفع والاستعلاء.

وأما الأمازيغ (البربر) في بلاد المغرب فأبدوا في البداية مقاومة لا يستهان بها، ولكن سرعان ما اجتذبهم الدين الجديد بعد أن اكتشفوا جوهره الخالي من العنصرية والرتبوية والتعقيد، وأصبحوا أشد تحمُّساً له من العرب أنفسهم. يتشابه البربر مع العرب من حيث كونهم أقرب إلى الفطرة، كانوا يقطنون الداخل على العموم، وقد أقاموا بعض الدويلات الصغيرة (التي أشبه ما تكون بدويلات المناذرة والغساسنة والتدمريين والأنباط في الأطراف الشمالية لشبه الجزيرة العربية)، بينما سيطر الرومان ومن بعدهم البيزنطيون على السواحل المتوسطية. كان الرومان ينظرون إليهم كقبائل خارج العالم المتحضر، وهم الذين سمّوهم البربر (واسمهم الأمازيغ، أي الأحرار)، وأطلقوا على منطقتهم اسم (نوميديا) أو بلاد البدو، وقد استطاع الأمازيغ بعد أن تآخوا مع العرب أن ينشروا الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا.

اقترن الانتماء الإسلامي بالهوية الحضارية للذّات العربية وتأصّل نتيجة لذلك، وعلى الرغم من اختلاط مفهوم هذا الانتماء وتآكله خلال عصور الانحطاط، فقد ظل درعاً لحماية هذه الذات من الاندثار أيام الشدائد والمحن، مثل الحروب الصليبية، وزحف المغول، وحرب الإبادة التي شنَّتها فرنسا على الجزائر خلال استعمارها الاستيطاني الطويل، والحرب على الفلسطينيين وغيرهم في هذه الأيام.

الانتماء إلى الإسلام هو أصلاً انتماء متكامل لا يتجزأ باعتباره يشمل شؤون الفرد والمجتمع، ولا يوجد فيه خط فاصل بين العبادات والمعاملات، أو بين ما هو فردي وما هو اجتماعي. المشكلة جاءت نتيجة لتسييس الدين، أي استعماله كغطاء شرعي لممارسات سياسية دنيوية محضة لا علاقة لها بالهدي السماوي، وقد نما التسييس المذكور وتكرَّس في عصور الانحطاط، فنشأ عن ذلك تشقق وازدواجية مريرة في شخصية الفرد، أما محاولات الترقيع والتقريب فقد زادت الأمر تفاقماً، إذ تمَّت على حساب الجانب الحضاري للإسلام، فحوَّلته إلى إرث انحطاطي مشوَّه اختفى فيه الجوهر تحت تراكمات أفرزتها الذّات العربية نتيجة ميلها للتمسُّك بالقشور.

الانتماء الإسلامي الحالي للأكثرية الساحقة من سكان العالم العربي ليس مسألة وجوب أو غياب، إنما هو انتماء نسبي متدرج في شدَّته وفي شموليته، إنه يتراوح بين المثالي (وهو انتماء نظري يرضي الذّات الحالمة أكثر مما يعكس واقعها)، والتقليدي الذي يركز على العبادات على حساب المعاملات، والرمزي الذي يقتصر على أداء بعض الشعائر في المناسبات، والسياسي الذي يعتمد أسلوب الإثارة العاطفية للوصول إلى السلطة والمراوغة للمحافظة عليها.

كثيراً ما يجنح الانتماء الإسلامي إلى الصوفية مركِّزاً على الجانب الروحي على حساب الجانب المادي، أو يستسلم للجبرية القاتمة المتشائمة للتملُّص من تَبِعات الأخطاء وتبرير حالة التقصير والعجز السلبية المزمنة. ثم إن نوعية الانتماء تتغير في الغالب تبعاً للسِّنِّ، أو الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية للفرد. هناك أيضاً الانتماء المذهبي حيث يعتبر المتمذهب مذهبه عقيدة إسلامية راسخة، بدلاً من اعتباره موقفاً أو تأويلاً أو إرثاً سياسياً أو تاريخياً.

الانتماء السياسي للإسلام يتقلب حسب الظروف والأحوال، وهذا لا يعني بالضرورة أنه انتماء منافق، لكنه انتماء أكسبته السياسة المرونة اللازمة للتكيُّف مع معطياتها وأشخاصها الذين غالباً ما يتبدلون عبر الرحلة الطويلة من عالم المثالية الطوباوي إلى عالم الواقع الْمُرِّ. يبدأ الدعاة غالباً من المثالية، حيث تَشْخَصُ مشكلة التخلف والانحطاط على أنها متمثلة في عدم الرغبة في تطبيق التعاليم الإسلامية، نتيجة للفساد والنفاق وعدم توفر النوايا الحسنة لدى ولاة الأمور، فلو أن هؤلاء كانوا حقّاً مخلصين لطبَّقوا الإسلام، ولحُلَّت المشاكل وتقدَّم المجتمع وأصبح كل شيء على ما يرام. المنطلق إذاً هو الإسلام (السماوي)، والهدف هو تطبيقه.

لكن ما إن يقترب دعاة المثالية من السلطة حتى تتغير الأمور، فيكتشفون (هذا إذا كانوا من المخلصين) أن تجسيد الإسلام المثالي على الأرض أمر بعيد المنال إذا لم يكن مستحيلاً. منهم من يجنح عندما يصبح في السلطة للاعتدال من غير أن يفقد استنارته، فيُبعِد بطانة السوء ويهتم بأمور المجتمع ويعتبر السلطة وسيلة لخدمة الأمة أكثر مما هي غاية في حدِّ ذاتها، فينتعش الناس وتتفتح النفوس وتزدهر الحياة.

ومنهم، وهو الأكثر تشدُّداً في مثاليته، من يرفض الاعتدال معتبراً إياه ضرباً من المساومة، ويصرُّ على الرقي بالأمة إلى مثالية لا تقدر عليها الغالبية الساحقة، فيسقط أو يتحول إلى بطل أسطوري، لمثل هؤلاء الأبطال النادرين الفضل في إذكاء شعلة الروح كلما شارفت على الانطفاء، سواء نجحوا في تحقيق مقاصدهم على الأرض، ولو إلى حين (مثل عمر بن عبد العزيز) أم لم ينجحوا (مثل الحسين بن علي). المهم أنهم ينتسبون لعالم الروح وليس لعالم الأرض، ولا يمكن القياس عليهم، ولكن يمكن الاستلهام منهم لاستنهاض الهمم الخائرة في كل زمان ومكان.

أنتج العالم العربي في العصر الحديث، قبل أن يحلَّ الاستقلال وتقفز معه قضيَّة السلطة إلى الصدارة، عدداً من الأبطال المثاليين ذوي الانتماء الإسلامي الأقرب إلى الاعتدال، مثل الأمير عبد القادر الجزائري، والمهدي السوداني، وعبد الكريم الخطابي، وغيرهم، ولقد قاوموا التيار المعادي بكل ما توفر لهم من وسائل، ولم يستسلموا على الرغم من أنه لم يكن لديهم أمل كبير في تحقيق نصر حاسم يغيِّر مسار التاريخ.

ولكن البطولة تبقى استثناء من القاعدة، أما أغلب دعاة المثالية فيستسلم لإسلام تقليدي مظهري. المعني يعرف جيداً في قرارة نفسه أنه منافق في دعواه، لكنه يصرُّ على ارتداء ثوب المثالية الإسلامية، ويجتمع حوله المنتفعون من كل نوع، ومن كل حدب وصوب، ليصوِّروا له بمختلف الوسائل أن الثوب الذي يلبسه هو فعلاً الثوب الذي يليق به ويطابق مواصفاته. هكذا يشيع الكذب والرياء والتملُّق، وتصبح ازدواجية الشخصية شرطاً ضرورياً للتكيف، ويطارد الفكر المخالف، ويضطر المرء لإظهار خلاف ما يبطن، ويتخبط المجتمع في غياهب الجهل والانحطاط.

أما أولئك المتبقون على الإخلاص والمثالية في مجتمعات الانحطاط فيتيقنون أن لا مكان لهم فيه، منهم من يذهب إلى الثغور مجاهداً في سبيل الله لا يبالي تحت إِمرةِ مَنْ، على أساس أن الأعمال بالنيات، ومنهم من يهرب إلى العزلة والصوفية مفضلاً العيش على الرمق والانشغال بالغيبيات على الارتزاق المهين للنفس والمفسد للأخلاق، وقد يهرب آخرون إلى جبرية سوداء تشلُّ عقولهم وسواعدهم على السواء، وتحوِّلهم إلى أجساد ميتة وركام لا نفع فيه ولا غناء، وهناك من يستعمل القدرية لتبرير ما لا يعجبه من أفعاله، حيث ينسب النجاح لنفسه، أما الفشل فينسبه إلى الأيام والأقدار.

ظهر في القرن الأخير من يدعو إلى مجرد انتماء رمزي أو شخصي للإسلام مروِّجاً لعلمانية غريبة تحترم الدين ولا تعاديه، لكن تفصله عن الدولة تحت شعار (الدين لله والوطن للجميع)، يدعو إلى ذلك بعد أن ضاق ذرعاً بعالم التراث جملة وتفصيلاً، ويئس من دعوات ومحاولات التوفيق بين الإسلام والحداثة التي اقترنت في الغالب بالفشل. أما العلمانية العربية فتفقد حيادها بالنسبة للدين بقدر ما تقترب من السياسة، تريد الدين لكي تسخِّره لمصلحتها، ولا تريده في الوقت نفسه لأنها تخشى أن يستخدمه الآخر ضد تلك المصلحة، إنها تريد نوعاً من الشرعية الدينية لتبرير وجوب الطاعة لا غير.

يعاني الانتماء الإسلامي إذاً من الاختلاط لأسباب ناتجة عن اقترانه بتراكمات الممارسات السياسية خلال القرون، حتى أنه أصبح انعكاساً لتلك الممارسات أكثر من كونه ضابطاً لها. فقد هذا الانتماء أصالته المتمثلة في تفتيح ذهنه وقدرات الذات العربية وضبط سلوكياتها في إطار مجتمع متمدِّن، بل تحول أحياناً إلى مرادف لإعادة إنتاج السلبيات عبر الأجيال المتعاقبة.

يتركز اهتمامنا في عملنا الحاضر على موضوع التنظيم، وخاصة تنظم الدولة كوسيلة لمشروع إصلاح حضاري يشكل ضبط استعمال السلطة العامل المحدد لإمكانية تجسيده على الأرض. قناعتنا هي أنه بدلاً من تضييع الوقت وإهدار الطاقات لتخليص إرثنا التنظيمي المؤسساتي الضامر جداً من الشوائب والتراكمات السياسية، يجدر بنا طرح هذا الإرث وتجاوزه بعد أن اتسع الخرق على الراقع. تجدر بنا العودة إلى القيم الإسلامية الأصيلة، لا للتباكي عليها ولكن لإحيائها على الأرض مستفيدين من الخبرات الإنسانية المتعلقة بإرساء المؤسسات المدنية اللازمة لترسيخ القيم المذكورة في ذهنيات الأشخاص وفي سلوكياتهم.

ركزت التجارب التراثية السياسية على الأشخاص، وعلى تقدير الأشخاص للأشخاص، بينما أهملت البعد المؤسساتي السياسي والتنظيمي إهمالاً منقطع النظير، فلم تتراكم عندنا خبرات علمية تستحق الذكر لمواجهة احتياجات الحياة والعالم المعاصرين. يجدر بنا أيضاً أن نتذكر أن عدداً من أبرز القيم الحضارية الغربية مثل المساواة، حرية الاعتقاد، إنكار الطغيان والاستئثار بالسلطة، فصل المال العام عن المال الخاص، احترام العمل المنتج وغيره ما هي إلا قيم إسلامية.

لا يجوز أن نفسر الانتماء الإسلامي للأكثرية الساحقة من سكان العالم العربي، خاصة فيما يتعلق بتنظيم الدولة والمجتمع بأنه مجرد انتماء تراثي لإسلام عصر الانحطاط، ولا يجوز أن نستسلم لليأس ونفترض بأن الانحطاط هو قدَر الذات العربية. إننا نميل لاعتبار الانتماء الإسلامي المذكور حنيناً إلى القيم الإسلامية الأصيلة التي جسَّدَتها على الأرض دولة الفاروق عمر بن الخطاب، والتي عجل إليها الفساد وبدأت دعائمها تتقوض سريعاً منذ وفاته.

وهو أمر يقودنا مباشرة إلى مشكلة الذات العربية التي تكمن وراء أزمتي التخلف والانتماء، تلك الذات التي لم تستطع أن تتحرر من الأسر التراثي، حتى عندما تنادي بالعلمانية والتحرر من أسر التراث. لقد ظلت بؤرة الاحتباس الحضاري في العالم العربي متمثلة في انغلاق الذهنيات، وغياب المؤسسات الضابطة والتنظيمات الهادفة. إن النقد الذاتي الموضوعي للأطر العقلية التراثية هو شرط لا يمكن إغفاله للتحرر من أسرها.